الأسس العامة لبناء المناهج الدراسية

إن المناهج الدراسية لا تقوم في فراغ و إنما تتشكل و تتماثل مع الثقافة التي تعيش فيها ، و النظم الاجتماعية و الدينية و السياسية التي تسود المجتمع ، فهي بذلك تقوم على مجموعة من الأسس العامة التي يتم الاستناد إليها عند تخطيط المنهج و تنفيذه و تقويمه ، و يشار أحيانا لهذه الأسس بأنها مصادر المنهج و محدداته ، و يختلف الباحثون في تصنيف هذه الأسس و منهم من يصنفها في أربعة مصادر و منهم من يصنفها إلى ثلاثة و بعضهم يصنفها في فئتين و سنقتصر على التصنيف الأخير الذي يقسمها إلى فئتين كما يلي :

-1 الأسس الفلسفية و الاجتماعية :

يقوم كل منهج على فلسفة تربوية تنبثق عن فلسفة المجتمع و تتصل بها اتصالا وثيقا  و تهتم فلسفة التربية بالأهداف التربوية و الأسباب الداعية إلى استخدام أدوات التربية من مدارس و مؤسسات و مناهج و كتب و غير ذلك و بالكشف عن الأهداف التي تسعى التربية إلى تحقيقها للفرد و المجتمع ، و يعد المنهج المدرسي أيضا تعبيرا عن مجموعة من العوامل و من بين هذه العوامل المجتمع ، و لذلك فمن الأمور المستقرة أن تخضع كافة المستويات التعليمية لطبيعة المجتمع من حيث فلسفته و ثقافته و آماله التي يرجو تحقيقها في أبنائه ، و لذلك تختلف ا لمناهج التعليمية من مجتمع لآخر بل و تختلف أيضا في المجتمع الواحد من فترة إلى أخرى ، و هذا يعني أن المناهج الدراسية تعبر عن المجتمع في كليته ، و من ثم نلحظ دائما أن نوعية المناهج السائدة في معظم المجتمعات تعكس أنماط الفكر السائد فيها.

و حين النظر إلى المناهج في حاضرها سنلاحظ أنها لا تتأثر بواقع المجتمع فقط بل و سنلاحظ أنها تستند إلى خلفية تاريخية بمعنى أنها متأثرة إلى حد كبير بالاتجاهات الفكرية التي ظلت سائدة في المجتمع لوقت طويل.

و في ضوء ذلك لا ينبغي النظر إلى المناهج الدراسية بمعزل عن الماضي ، و لا يجب النظر إليها على أنها تعمل في فراغ و أنها تصلح لأي مجتمع و في أي وقت من الأوقات

إن المناهج الدراسية محصلة لمجموعة من القوى و المؤثرات الاجتماعية السائدة ، و لما كانت تلك القوى و المؤثرات مختلفة في كل مجتمع عن الآخر أصبحت سمة الدينامية من أهم السمات التي تتميز بها المناهج الدراسية و من ثم فإن المجتمع  في سعيه إلى تربية الأبناء يسعى إلى إجابات عن التساؤلات التالية :

– ما هو الفرد الذي تتم تربيته ؟

– ما محتوى عملية التربية هذه ؟

– لماذا تتم تربية هذا الفرد ؟

– ما حصيلة عملية التربية هذه ؟

و يلاحظ أن الإجابة عن هذه التساؤلات تتضمن تعرضا لمسألة فلسفة التربية التي تحدد الغايات الكبرى لتربية المجتمع.

و الممعن في أمر الفلسفات التربوية العديدة التي قامت و عاشت عبر الأزمان يجدان أصولها و مناهج البحث فيها تتجمع في اتجاهات ثلاثة :

الأول :اتجاه تسلطي : و يتمثل في أن يكون المدرس مركز الدائرة في عملية التعلم  و التعليم  داخل إطار المنهج المدرسي و يشار إلى هذا الاتجاه كثير بأنه الفلسفة التقليدية في التربية .

الثاني : الاتجاه الديمقراطي : و يقضي بأن يكون لكل من المدرس و التلميذ اعتباره في العمليات التربوية و المناهج الدراسية بحيث يتعاونان في التخطيط لها و ينفذان معا ما قاما بتخطيطه و يطلق على هذا الاتجاه اسم الفلسفة التقدمية.

الثالث : اتجاه التحرر المطلق : و يقوم على مركزة الطفل في العملية التربوية الدراسية ، مركزة تطلق له عنان التصرف دون أن يتلقى أي توجيه من المدرس و يمثل هذا الاتجاه الفلسفة الطبيعية الرومانتيكية التي تزعمها جون جاك روسو.

-2 الأسس النفسية و العقلية :

تتمثل الأسس النفسية و العقلية للمنهاج في المبادئ التي توصلت إليها دراسات و بحوث علم النفس حول طبيعة المتعلم و خصائص نموه و احتياجاته و ميوله و قدراته واستعداداته و حول طبيعة التعلم التي يجب مراعاتها عند وضع المنهاج و تنفيذه و تقويمه.

إن المعنيين ببناء المناهج الدراسية و كذا المعنيين بتنفيذها لابد لهم من معرفة شاملة بأبعاد هذه الناحية ، أي أنهم يجب أن يكونوا مدركين لطبيعة المتعلم و أفضل  الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى تعلم ما نرجو تعلمه و أفضل ا لسبل اللازمة لذلك و معنى ذلك أن دراستنا للإبعاد النفسية كعامل مؤثر في بناء المنهج تتعلق أساسا بكيفية التعليم و التعلم .

و قد لوحظ أن هناك العديد من نظريات التعلم و نظريات النمو المعرفي و الأخلاقي و الدافعية تصب كلها في مجال بناء المناهج إلا أننا سنقتصر على بعض النواحي منها بإيجاز كما يأتي :

1-2 المنهج و نظريات التعلم :

     تحتاج عمليات المناهج إلى خلفية واسعة حول كيفية حدوث التعلم و الظروف التي يجب توافرها ليتم التعلم على نحو أفضل ، و لذلك فإن دراسة نظريات التعلم يمكن أن توضح بعض الأمور الغامضة التي تشتملها ممارسات المعلم.

و من بين تلك الأمور التعرف على الفروق الفردية بين المتعلمين و قد أسهمت الجهود التي بذلت في مجال نظريات التعلم في إلقاء الضوء على بعض عوامل التعلم ، الأمر الذي كان انعكاساته على عمليات المناهج الدراسية و خاصة ما يتعلق منها بعمليات تخطيطه و بنائه ، هذا فضلا عن الاستفادة من تلك الإسهامات في محاولة تشخيص مواطن القوة و الضعف في الأداء التعليمي داخل المدرسة و كذا أداء المتعلم.

2-2 المناهج و نظريات الدافعية:

     تعد الحاجة (Need) جوهر نظريات بالدافعية التي تدفع الفرد و توجهه للبحث عن سبل خفض الحاجة و اختزالها ، و من ثم تميل الأفعال و الأساليب التي يستخدمها الفرد في سعيه إلى خفض الحاجة إلى التكرار في مواقف أخرى ، أي أن الفرد تعلم شيئا جديدا و هو كيفية اختزال الحاجة التي يشعر بها ، و ترتب عن هذا الفهم البحث في نظام للمعززات الثانوية التي يتعلمها الفرد من خلال تفاعلاته الاجتماعية و التي تستخدم لإشباع الحاجات الأساسية    و هذا يوحي بأننا نعزز سلوك تلاميذنا بصفة مستمرة إضافة إلى أننا نتلقى تعزيز من الآخرين لما يصدر منا من مظاهر سلوكية و لذلك فإن المناهج الدراسية تعد محاولات لتعديل سلوك التلاميذ و من ثم يجب أن يبذل أقصى جهد ممكن لتعزيز المرغوب من الاستجابات و عدم تعزيز الاستجابات غير المرغوب فيها.

و لقد كان لهذا الفهم الخاص بالدافعية و مجالاتها انعكاساته على المناهج الدراسية حيث بدأ المختصون بعمليات المنهج  في التفكير في مسألة ما يجب أن يعرفه التلاميذ من ناحية و ما يمكن أن يكون ذا دلالة بالنسبة لهم من ناحية أخرى ، لقد تأثر البعض بهذا الاتجاه لدرجة أنهم اعتبروا أن تدريس ما يود الفرد معرفته يؤدي إلى تعلم أفضل و بالتالي يصبح فن التدريس هو معرفة المعلم الوقت المناسب للتشجيع و الوقت المناسب لممارسة الضغط على الفرد  و الوقت المناسب لتركه لحاله .

3-2 المناهج و نظريات النمو المعرفي :

كان لعديد من نظريات النمو المعرفي و الاجتماعي و الأخلاقي انعكاسات واضحة على المناهج الدراسية ، و قد لجأ المتخصصون في مجال المناهج إلى تلك النظريات من أجل التوصل إلى تحديد  ما يجب تقديمه إلى المتعلم و كذا كيفية تعليم ما يتم اختياره من مختلف المجالات المعرفية و لقد ازداد إقبال المشتغلين بميدان المناهج على تلك النوعيات من النظريات بصفة خاصة عندما ظهرت دراسات عديدة في مجال طبيعة المتعلم و إمكانات و طبيعة عمليات التفكير و لعل من أهم تلك النظريات نظرية جان بياجيه (J. Piaget) و نظرية جيروم برونر (J.Bruner)  .

حيث اهتم الأول بدراسة المعرفة من حيث علاقتها بالنمو المعرفي لدى المتعلم مع التركيز على نمو الفكر الرياضي المنطقي ، واهتم الثاني بدراسة مستوى النضج الذي يصل إليه المتعلم و شخصيته و نوع العمل الذي يقوم به و نوعية التأثيرات الثقافية التي  يتعرض لها..

4-2 المناهج و نظريات التعليم :

     و تهتم نظريات التعليم بتحديد الخبرات و الظروف التي تجعل الفرد في حالة تهيؤ و تفتح و استعداد للتعلم ، و تحديدا واضحا لأفعال نظم التتابع التي يجب إتباعها لتقديم ما يرجى تعلمه إضافة إلى عملية التعزيز التي يحتاجها المتعلم.

إن ما أجري من بحوث و دراسات في مختلف الجوانب المتعلقة بالفرد سواء من حيث مراحل نموه و العوامل المؤثرة فيها أو من حيث طبيعة العمليات العقلية التي يمارسها أو غير ذلك من الجوانب تهدف أساسا إلى الوصول إلى قرارات علمية قائمة على البحث و التمحيص الدقيقين  لكافة العوامل و الظروف و الإمكانات التي يمكن أن تيسر التعلم وفق الاتجاه الذي يرضى عنه المجتمع و يقبله.

و مهما يكن من أمر تلك النظريات و علاقتها  بالمناهج فإن المعلم من حيث حاجته إلى نظرية تعليمية يجب أن يكون على درجة كبيرة من الوعي بطبيعة المتعلم و أفضل  الظروف التي يحدث فيها التعلم على أفضل نحو ،  و لذلك يمكن القول أن دراسته هذا الجانب تعد أساسا هاما و ضروريا يفيد من يتناول المنهج على المستوى التخطيطي أو التنفيذي في النواحي الآتية :

1-تحديد و صياغة أهداف المنهج على نحو متسق مع خصائص المتعلم.

2-اختيار الخبرات التعليمية المناسبة لمستويات التلاميذ و تطويرها بحيث تيسر التعلم.

3-اختيار الإستراتيجيات التدريسية المناسبة للتلاميذ.

4-تحديد أفضل الظروف لتوجيه التلاميذ سواء على المستوى الفردي أو الجماعي .

5-تحديد مجالات النشاط المناسبة للتلاميذ و التنويع فيها بما يتفق مع اهتماماتهم واستعداداتهم و قدراتهم .

6-استغلال طاقات و إمكانات كل تلميذ للتعلم إلى أقصى درجة ممكنة .

7-اختيار الوسائل التعليمية التي يمكن أن تثير اهتمامات التلاميذ و دوافعهم و ميولهم.

8-إعداد واستخدام أساليب و وسائل التقويم المناسبة لكل تلميذ بما يؤدي إلى وضوح الرؤية بالنسبة لمدى تقدم كل منهم نحو الأهداف المرغوب فيها (حسين اللقاني ، 1989).

و عموما يمكن أن نلخص الأسس النفسية و العقلية التي يتم الاستناد إليها في تصميم المناهج الدراسية في العوامل التالية .

– النمو من حيث مراعاة خصائص نمو المتعلم و العمل في ضوئها .

– الحاجات بحيث تعمل المناهج على إشباع حاجات المتعلم.

– الميول من حيث مراعاة ميوله و العمل على تنميتها  و تطويرها

– الاتجاهات من حيث الاستناد إليها و العمل على تنميتها و تحسينها.

– القدرات العقلية من حيث مراعاة مستواها و إمكانات الفرد و الفروق الفردية بين الأفراد.

 

    إعداد الدكتور / عبد الله قلي  –  أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للأساتذة   –بوزريعة- الجزائر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فئات قنديل