التفاؤل و التوقع الإيجابي للأمور

“يقصد بالتفاؤل : الإيمان بالنتائج الإيجابية ، وتوقعها حتى في أصعب المواقف والأزمات والتحديات” [1]

ومن ثمراته أن يشعر المتفائل بسلطته وقوته وأنه متحكم في حياته بحكمة وذكاء حتى في مواجهة المشكلات المختلفة [2].

إنني أستطيع التأثير بإيجابية في سلوك الآخرين ، وحتى في نتيجة العمل المتوقعة لمهمة أو هدف ما وذلك عندما أكون متفائلاً ، فإن التفاؤل يجعل تأثير قوتك يتضاعف عدة مرات أكثر من تأثيرها الطبيعي[3].

وقد كان هذا ديدن النبي r محباً للتفاؤل وكارهاً ومجانباً لما يضاده من التشاؤم والتطير ، فعن أنس t عن النبي [ص] :” قال : لا عدوى ولا طيرة [4]ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة”[5].

قال النووي في شرح الحديث : “وإنما أحب الفأل لأن الإنسان إذا أمل فائدة الله تعالى وفضله عند سبب قوى أو ضعيف فهو على خير فى الحال[6].

وكان النبي [ص] يتفائل في كل المواقف في حياته ويطبقه واقعاً عملياً ، فعن يعيش الغفاري  قال : دعا رسول الله  [ص]بناقة يوماً ، فقال : من يحلبها ؟ فقال رجل : أنا ، قال ما اسمك ؟ قال : مرّة ، قال : اقعد ، ثم قام آخر فقال : ما اسمك ؟ ، قال : حرب قال: اقعد ، ثم قام آخر فقال : ما اسمك ؟ ، قال : جمرة ، قال : اقعد ، ثم قام يعيش فقال : ما اسمك ؟ قال : يعيش ، قال : احلبها[7].

قال ابن عبد البر القرطبي :” هذا عندي – والله أعلم – من باب الفأل الحسن فإنه r كان يطلبه ويعجبه وليس من باب الطيرة في شيء لأنه محال أن ينهى عن الطيرة ويأتها بل هو من باب الفأل فإنه كان  r يتفاءل بالاسم الحسن” [8].

وفي حال الحرب التي تكون النفوس فيها مشدودة نرى الرسول الكريم r يتفاءل باسم المفاوض له في الحرب ، فعندما جاءه وفد قريش وفيهم سهيل بن عمرو  قال النبي [ص]     :” لقد سهل لكم من أمركم  ” ، وفي رواية بلفظ :” سهل الله أمركم[9].

قال ابن القيم :” وكان النبي [ص] يأخذ المعاني من أسمائها في المنام “[10] فعن أنس بن مالك  قال : قال رسول الله  [ص] :” رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب من رطب بن طاب[11] ، فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة وأن ديننا قد طاب”[12].

فأخذ النبي [ص] الرفعة في الدين من اسم رافع ، والعاقبة لأمته من اسم عقبة ، وطيب الدين من اسم الرطب.

وكان هذا منهج النبي  [ص] في فتح أبواب الأمل والتفاؤل لأمته من بعده فعن ثوبان  قال : قال رسول الله [ص] :” إن الله زوى [13]لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها “[14].

” إننا نعيش في عصر يزداد سلبية ومشحون بانفصام الصلات الاجتماعية وتفسخ الإيمان ، وشيئ من التفاؤل يساعد على مكافحة الحزن الذي يخيم على حياتنا ، ويمنحنا الشجاعة والطاقة اللازمة للتغلب على الأزمات[15] ” .

” وكون المرء إيجابياً يعتبر أمراً اختيارياً ، فنختار النظر إلى الأشياء بطريقة إيجابية ، وكذلك  نختار التركيز على العناصر الإيجابية في موقف ما ، وعلاوة على ذلك نستطيع البحث عن الفوائد والمزايا ” [16].

” إن التفاؤل يجعلنا نشعر بدنياً بحال أفضل ، فالمتفائلون يعيشون بصحة أفضل من سواهم ، لأن أجهزة المناعة لديهم تعمل بشكل أفضل لحمايتهم” [17].

التوقع الإيجابي للأمور.

يذهب أهل المعرفة بالتفكير الإيجابي إلا أن التفكير في أمر ما والتركيز عليه هو أحد القوانين الرئيسة في توجيه حياة الإنسان سلبياً أو إيجابياً .

” إن ما نفكر فيه تفكيراً مركزاً في عقلنا الواعي ينغرس ويندمج في خبرتنا ” [18].

” و أياً كان ما تعتقده فسيتحول إلى حقيقة عندما تمنحه مشاعرك ، وكلما اشتدت قوة اعتقادك ، وارتفعت العاطفة التي تضيفها إليه تعاظم بذلك تأثير اعتقادك على سلوكك وعلى كل شيء يحدث لك ….. يظل الأشخاص الناجحون والسعداء محتفظين على الدوام باتجاه نفسي من التوقع الذاتي الإيجابي “[19].

ولكن عندنا نحن المسلمين أعظم من هذه التجارب فعن أبي هريرة   قال : قال النبي [ص]  :” يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي[20] ، وفي رواية أخرى للحديث :” إن الله عز وجل قال : أنا عند ظن عبدي بي أن ظن بي خيراً فله ، وإن ظن شراً فله “،  قال ابن حجر :” أي قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به ” [21].

فمن هنا ينبغي على المسلم أن يطور في ذاته قانون التوقع الإيجابي للأمور وأن يحسن ظنه بربه حتى ولو كانت الظروف المحيطة به في غاية الصعوبة والسوء ولا تحمل في طياتها من النظرة الأولى أية بشائر خير أو انفراج في أزمة يمر بها الإنسان ولنا في نبي الرحمة أسوة حسنة فعندما ضاقت به الأرض من تكذيب الناس له وردهم لدعوته لم تؤثر عليه تلك الظروف الصعبة أو تلجئه لأن يسلك  سبيل الظن السيئ بهم أو السير في متاهات التوقع السلبي للأمور في مستقبل الأيام بل كان  حسن الظن بربه ، واستخدم التوقع الإيجابي لمستقبل من كذبه وطرده وآذاه ، وقد تحقق توقعه الإيجابي بعد مدة من الزمان فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي [ص] حدثته أنها قالت للنبي  [ص] : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟.

قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النبي  [ص]  : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً[22].

فانظر إلى قمة حسن الظن بالله و التوقع الإيجابي لما سيحصل في المستقبل في قوله :” بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم ” رغم شدة الهم والوحدة ، والغربة الإيمانية ، ومطارداً من أهل الشر ، ومن شدة هذا الهم فقد مشى النبي [ص]   أكثر من ستين كيلو متر ولم يشعر بنفسه فلم يكن همه وكربته من أجل ما وقع له شخصياً ، ولكن لما رفضه الجهال من خير وفلاح لهم في الدارين ، ومع كل تلك المعاناة استخدم النبي [ص] التوقع الإيجابي ليعلم أمته كيف يفكرون وكيف يفعلون إذا حدث لهم شيء مما قد يكدر صفو حياتهم في أمور دينهم أو دنياهم.

” فحينما تتوقع الأفضل فإن هذا يبرز أحسن ما فيك ، وأنه لأمر يدعو للعجب أن توقع الأفضل يثير القوات الكامنة في الجسم لتحقيق هذا الذي نتوقعه ” [23].

د.سعيد بن صالح الرقيب  أستاذ مشارك بقسم الدراسات الإسلامية كلية التربية  جامعة الباحة

[1] قوة التفكير الإيجابي في الأعمال ، سكوت دبليو ، ص 101.

[2] التفكير الإيجابي ، ضمن سلسلة مهارات الحياة المثلى ، ص 36 ، بتصرف.

[3] حكمة الجنرلات ، وليام كوهين ، ص 106-107.

[4] والفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله عز وجل والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه” ، غريب الحديث لأبي عبيد  1/183.

[5] أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5424) ، ومسلم في صحيحه رقم (2224).

[6] شرح النووي على صحيح مسلم 14/219.

[7] أخرجه إبراهيم الحربي في إكرام الضيف رقم (42) ، و الطبراني في المعحم الكبير 22/277 ح 710 ، وأبو نعيم في معرفة الصحابة رقم (6071 )،  قال الهيثمي : إسناده حسن ، مجمع الزوائد 8/47.

[8] الاستذكار 8/513.

[9] أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2581) ، الأدب المفرد للبخاري رقم (915).

[10] زاد المعاد 2/308.

[11] قال النووي :” هو نوع من الرطب معروف يقال له رطب بن طاب وتمر بن طاب ، و عذق بن طاب ، و عرجون بن طاب وهي مضاف إلى بن طاب رجل من أهل المدينة ” ، شرح النووي على صحيح مسلم 15/31.

[12] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2270).

[13] زوى : جمعت ، غريب الحديث ، لأبي عبيد 1/3.

[14] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2889).

[15] نعم تستطيع ، سام ديب ، ص 5.

[16] قبعات التفكير الست ، د.إدوارد ديبونو ، ص 155.

[17] ليس المهم مقدار ذكائك ، د.جين آن كيغ ، ص 222.

[18] علم نفس النجاح ، برايان تريسي ، ص 27.

[19] غير تفكيرك غير حياتك ، برايان تريسي ص 110-111.

[20] أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6970) ، ومسلم في صحيحه رقم (2675).

[21] فتح الباري 13/385.

[22] أخرجه البخاري في صحيحه  رقم (3059)، ومسلم في صحيحه رقم (1795).

[23] قوة التفكير الإيجابي ، د.نورمان فنيست بيل ، ص 117.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فئات قنديل