الفلسفة في المجتمع اليوناني

عرف اليونان القدماء الفكر الفلسفي وعملوا على استنباط أسسه وقواعده من المجتمعالذي ينتمون إليه، بهدف تغيير وضع معين أو إرساء قواعد من شأنها أن ترتقي بهذا المجتمع ، بحكم أن الفيلسوف هو ابن بيئته أو مجتمعه ، إذن فهو يتأثر به ويحاول أن يؤّثر فيه لذلك  سعى الفلاسفة  باليونان إلى بلورة الرؤى الاجتماعية والمسائل ذات الصفة الاجتماعية كالأخلاق والتربية …الخ. إلى أفكار فلسفية بناءه داخل المجتمع الأثيني.وعليه سوف نحاول إبراز الدور الذي لعبته الفلسفة والأفكار الفلسفية داخل المجتمع اليوناني من خلال أهم الأعلام اليونانية بداية ب. أولا :الحركة  السفسطائية :كان ظهور هذه الحركة متزامن وانتشار الديمقراطيّة  في الربوع الأثينية أين احتدم النزاع والتنافس بين الأفراد ، فكان هذا بمثابة الدافع لظهور الحجاج أو ما عرف بالمحاماة التي كانت تعد من وظائف السفسطائيوكان لهذه الحركة  الفضل في تغيير منحى الفلسفة من بعدها الطبيعي مع المدرسة الطبيعية،إلى بعدها الإنساني أين أصبح هو مركز الفلسفة ، منطلقين من معرفة  ماهية الإنسان بهدف الوصول إلى فهم الطبيعة .استبعد السفسطائيون إمكانية وجود قوانين تنظّم العلاقات الاجتماعية ما اصطلح عليه  بالقوانين الوضعيّة كونها تخالف الطبيعة البشريّة وأنها تقيّد و تكبح حرية الفرد داخل مجتمعه بل ‹‹هناك قانون طبيعي  يسود كافة مجالات الحياة الإنسانية››[1]، أين يجد الإنسان نفسه أمام حملة من الغرائز واللذائّذ قد تحرمه منها هذه القوانين لذلك فالطبيعة الأولى للإنسان تحد من هذه القيود كونها لا تتضمن قوانين فهي  في نظرهم  ليست سوى هوى و شهوة .  ومن بين  رواد هذه الحركة نذكر بروتاغوراسالذي يقول في كتاب الحقيقة ‹‹الإنسان مقياس الأشياء جميعا،وهو مقياس  ما يوجد منها ومقياس لا وجود مالا يوجد›› [2] .والواضح من هذه المقولة أن بروتاغوراس أفرط و بالغ في جعل  الإنسان معيارا ومقياسا لكل شيء لذلك عرفت نقدا لاذعا من قبل سقراط و أفلاطون فيما بعد.

ونجد أيضا كاليكليس الذي يدعوا إلى  ضرورة العودة إلى الطبيعة الإنسانية الأولى التي ينعدم  فيها القانون الذي يكبح الإنسان ، والذي  يعّد في نظره من صنع الضعفاء فيقول: ‹‹إن القوّة هي مجال الطبيعة ، القانون الأعلى  ويجب أن ينال الأقوى النصيب الأكبر›› [3]. و ما يرمي إليه  كاليكليس أن يحصل القوي على النصيب الأكبر من اللّذائذ والأهواء، واتخذ السفسطائيون من العلم وسيلة لتحصيل المال لذلك راحوا يعلّمون الناس شريطة تقاضي الأموال. فالعلم حسبهم لم يكن معرفة مطلقة، فجنوا جرّاء ذلك ثروات كثيرة فهم ‹‹كانوا مجادلّين مغالطين ومتجّرين بالعلم›› [4]. ونجدهم  أشاعوا اضمحلال الأخلاق داخل المجتمع الأثيني من خلال رؤيتهم أن الإنسان ذاته مجموعة  من الأهواء تسيّطر عليه اللذائذ ونجدهم أيضا رسّخوا مبادئ القوّة من منظور الديمقراطية الّتي نادوا بها وفتحوا المجال للمواطن  بالتّدخل في شتّى  المجالات والنقاش فيها .وتجدر الإشارة إلى مجموع الأخلاق عندهم هي مكتسبة وإن كل حقيقة أو معرفة هي نسبيّة فلا وجود الحقائق ثابتة وعن الأخلاق يرون ‹‹أن هذه الفضيلة لا بد أن تكون ممكنة التعّلم والتحصيل والمجتمع لا يعتبرها وليدة الطبيعة ولا وليدة المصادفة››[5] . وهذا  في حواره مع سقراط في ضرورة التحلي بالفضائل .

ثانيا :  سقراط

لعب هذا  الفيلسوف  دورا كبيرا في انتشار الفلسفة وتطوّرها  من خلال الأفكار التي جاء بها ويمكن أن نلحظ هذا في نقاط أربعة، ‹‹أنه كان متمسّكا بوضوح التحديد والتصنيف وهذا من خلال إدراك العام والكلي لموضوع المحادثة ، إضافة إلى أسلوبه الجديد  في الجدل  والكشف المنطقي  من خلال منهجه التهكم و التوليد.  كذلك نجده إنسان  يشعر بالواجب و احترام القانون ، و جعل  من الشك العقلي  نقطة  ارتكاز  البحث العلمي  وهذا جل ما أهمله السابقون عليه<<[6].

وكان ظهوره  متزامن وظهور  الحركة  السفسطائية أين عمل على نقدها  في عديد من المواقف و المحطات  سواء طرق التعليم   التي انتهجوها  و كيفية بلوغ  الحقائق  أم في  تعاليم الديمقراطية والأخلاق  داخل الأسرة الأثينية ، كما يعتبره الكثير من المؤرخين   مغيّر الفكر  الفلسفي  من المجال التجريدي الطبيعي  إلى المجال الواقعي  الإنساني  فيعد ‹‹ سقراط من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض  و أدخلها  ليس في المدن فقط بل في المنازل، وأجبرها أن تنظّم الحياة الإنسانية  و العادات و ألوان الخير والشر››[7] .ورغم النقد الذي وجهه للحركة السفسطائية إلا انه يشترك  معها في  تغيّير المسار من الطبيعي إلى الإنساني والاهتمام بالإنسان بالدرجة الأولى .

عمل سقراط على رفض الأفكار السفسطائية  فكان يتجول  في الأسواق  يجوب الشوارع  يحث الأفراد على الفضيلة فكان ‹‹دائم  الاتصال بالشباب (…) مهتم  بتعليمهم الفضيلة››[8] . و بقي كذلك بهدف ‹‹ وضع الأسس للنظرية الأخلاقيّة التي تضع   حدا للنسبيّة الأخلاقية التي أشاعها السفسطائيون في المجتمع اليوناني وترتب عنها انهيار القيم الأخلاقية لدى الناس واختلاط الأمر لديهم بحيث لم يعودوا يميزون بين الخير والشر››[9].  فتفاقم  وضع الأخلاق وتعرّضت  للانحلال  وأدى  إلى انتشار اللذائذ وعلى ضوء هذا اعتبر سقراط مؤسس علم الأخلاق.

ومن خلال  المحاورة  الأفلاطونية  المتعلقة  بالفضيلة  و التي دار حوارها  بين مينون و سقراط ، أمّا  مينون رأى أن ‹‹ فضيلة الرجل هي حسن  إدارة  المدينة و فضيلة المرأة في حسن إدارة المنزل›› [10]. وهذا عن طريق حسن التدبير والعدل والحكمة أين تصادمت الآراء حول ماهية الفضيلة.

وكان سقراط  يهدف إلى تقويض الآراء حولها  من خلال منهجه في  التهكم والتوليد  مركزا على ‹‹ إذا كانت  الفضيلة  هي حقيقة ، علم أو شيء آخر  مغاير لذلك  بالنسبة  لنا هي الخير  بالذات،  وإذا وجد شيء  آخر من الخير خارج  عن العلم  ولا يمت بصلة  إليه يمكننا عند ذلك  أن القول  إن الفضيلة  ليست علما  ،أما إذا  لم يوجد خيرا  إلا بالعلم  فحينئذ لا يمكننا  أن نرسخ  نظريتنا القائلة  بأن الفضيلة  هي العلم >>[11].في محاولة منه إلى ربط الفضيلة بالعلم وأنها هي ذاته كما يرى أنه   . “إذا كانت الفضيلة هي استعداد واحد من استعدادات النفس المتعددة فوجودها   ضروري وهي بالتالي يجب أن تكون لا محالة علما (…) فالفضيلة انطلاقا من هذا القول وبما أنها ضرورية بحد ذاتها يجب أن تكون لا محالة نوعا من أنواع العلم›› [12]. كما سعى إلى إرساء  معنى عام للفضيلة  ، بحيث  يكون هذا  المعنى  ثابت   مصدره العقل، ونظرا لأنها ضرورية في الحياة الاجتماعية ، يرى سقراط ‹‹ أن الشخص لا يكون فاضلا حقا ..إلاّ إذا عرف أولا المعنى الكلي للفضيلة”[13]، إضافة إلى أنه يرى أن الفرد ‹‹ لا يكون فاضلا إلاّ إذا وصل عن طريق البحث والتعريف العلمي إلى التصّور الكلي لهذه الفضيلة أو تلك الفضيلة بوجه عام›› [14]. ولذلك نجد سقراط يتبنى مقولة ‹‹الفضيلة  لاتعلّم›› [15]  .لأنه يرى أن ‹‹ نموّ العلم الصحيح  يتطلب  صفاء أخلاقيّا وصدقا وتربية فردية  واجتماعية ولا سبيل للمواطن الفاسد أن يكون عالما صالحا››[16] . وأشار سقراط إلى أن  الفرد لا يمكنه أن يتعمد فعل  الشرور وإن حدث  وقام بذلك  فنظرا لجهل منه. هي شروحا لما جعله أساسا في الفضيلة ‹‹ الفضيلة علم والرذيلة  جهل”.[17]

ونجد أن لسقراط أيضا  آراء في التربية فنجده يعرّفها أنها ‹‹ تربية جديدة من خصائصها  أنها شخصية وهي نشاط حر ذو طابع  نقدي تقوم بالاشتراك بين المربّي والشاب ›› [18] . و هذا بهدف بناء أخلاقيات راقية انطلاقا من البنية الأساسية ونقصد الأسرة.  فكان هدف سقراط  من هذه الآراء و الأسس التي سعى إلى تطبيقها  في المجتمع الأثيني  هو بناء مجتمع خال من  كل انحلال و تفكك  و هذا  تبعا لما ورد على لسان  تلميذه أفلاطون فقد ‹‹أظهرت  الحوارات الأفلاطونية  ، سقراط مع مواطنيه بحوار  وجدل لا ينقطعان محاولا امتحانهم  وجرّهم إلى ممارسة حياة صحيحة ،و أدّت  العداوات التي نشأت  عن ذلك  إلى محاكمته عام 399 ق. م ، بحجة   تسفيه الآلهة  و دفع الناشئة  إلى الانحراف›› [19].  و إضافة إلى هذا  الاتهام  بإفساد عقول الشباب نجد أنه ‹‹ كثيرا ما كان  يحمل على النظام الديمقراطي و ينتقد ما يقوم  عليه من مساواة مسرفة تقوم على العدد و الانتخاب  بالقرعة”[20] .

ثالثا : أفلاطون:

يعتبر أفلاطون من تلامذة سقراط  المقرّبين له ، وصاحب الفضل في معرفتنا بسقراط نظرا لما ألّفه  من حوارات تتحدث  عن سقراط  ومن بين الأسباب التي جعلته مقّربا منه أن‹‹ أفلاطون  قد حاول  أن يجد  عنده تلك التربية التي يطلبها كل ارستقراطي   وهي التربية التي تؤهّل المواطن ( …) لأن  يكون  يوما ما من أولي  الأمر و القائمين  على شؤون الدولة(…)،أراد أيضا أن يجد عند سقراط تعاليم عن الدولة  وماهية العدالة››”[21].

استنكر أفلاطون  الأفكار السفسطائية  ونقدها كثيرا خاصة ما ورد حول الإنسان في كونه وجد ليحقق أكبر  قدر من اللذائذ  فنجده يرى أن ‹‹ الحياة الفاضلة هي ألّذ حياة تمتاز بخفة الانفعال وضعف اللّذة والألم و لكن اللذائذ فيها أغلب وأدوم في حين أن الألم أغلب وأدوم في حياة الرذيلة›› [22].وكان أفلاطون يهدف من وراء تعليماته حول الفضيلة إلى بلوغ الخير الأسمى أو السعادة  وما كان أفلاطون يهدف إليه هو القضاء على اللاعدل والشرور التي رأى أنها مصدر تعاسة  الإنسان بخلاف الفضيلة التي تمنح  الطمأنينة  للفرد فيقول ‹‹ إن الإنسان السعيد هو حتما ذلك الإنسان الذي يفعل الخير في حين أن الإنسان التعيس هو الإنسان الحيواني لأنه يفعل الشر›› . ويضيف قائلا ‹‹إن الذي يريد أن يكون سعيدا عليه حتما ممارسة الأفعال الحسنة المتوازنة”[23]..

وقد لجأ أفلاطون في دراسة الفضيلة إلى تقسيم النفس إلى ثلاث قوى‹‹ فالقوة الغضبية فضيلتها الشجاعة  والقوة الشهوانية فضيلتها العفة والقوة المدركة فضيلتها الحكمة››[24] .ومن خلال هذا التقسيم  ، يرى أفلاطون أن ‹‹ من واجب  النفس العاقلة  أن تدفع النفس في الإنسان لتصبح حكيمة ، وفضيلتها  الحكمة ،أما وظيفة الشجاعة  فحمل النفس على طاعة العقل›› [25] . وبهذا تصبح  الشهوة  داخل حيز  ما يمليه العقل ، فيتصل النفس الإنسان إلى الاعتدال الذي يمثل الفضيلة  التي يرمي إليها التقسيم الأفلاطوني للنفس

وقد اهتم أفلاطون بفضيلة العدالة  بحكم أنها ذات أهمية بالغة ذلك لأنها ‹‹ لا تتعلق بأفعال الإنسان الظاهرة ، وإنما بأفعاله الباطنة ، وبما يختص به الإنسان  وما يكون فيه قوام الإنسان ›› [26] .وهذا ما يفسر وجود  الاتزان  داخل  المجتمع من خلال الفضائل الثلاثة  الحكمة والعفة و الشجاعة  التي تعد  أساس قيام المجتمع من المنظور الأفلاطوني.  نصل إلى القول‹‹إن كانت تلك هي الصورة الباطنة للعدالة في الفرد فإن صورتها الظاهرة في الدولة”[27].

كما يمكن القول أن كمال النفس في نظر أفلاطون يؤدي إلى بلوغ السعادة و هذا الكمال إنما يتأسس و يتحقق عن طريق التحلي بالفضيلة وممارستها وحب العلم وهذا يكون ‹‹عن طريق سيطرة القوة العاقلة على القوة الفضيلة والشهوانية›› [28].  إضافة إلى دعوة أفلاطون بضرورة التحلي بالفضائل،كان يرى  أن ‹‹ الفرد يرتبط بقوانين الدولة  برابطة عضوية  مثل رابطة أي عضو من أعضاء الجسم ببقية الجسم”[29].

لذلك نجد أفلاطون يعالج مسائل التربية داخل المجتمع، و عمل على تبيان دورها في قيام الدولة فيرى أنه ‹‹ طالما لا وجود لموجبات دستورية تحدد من سلطة الحاكم، فإن صلاح الدولة  يضل منوطا فقط بالنظر العقلي الذي بمقدور الحاكم تحصيله بالتعلم›› [30]،وقد  قسّم  أفلاطون  التربية إلى أنواع مختلفة  و متباينة  باختلاف المراحل العمرية للفرد أين نجده ينطلق من‹‹تربية أولية عبر الموسيقى والشعر والرياضة  (حتى سن العشرين ) وتربية علمية في الرياضيات والفلك  ونظرية التناغم (عشر سنوات) والتعمق بالجدل (الفلسفة ) خمس سنوات›› [31].وعقب هذه المراحل يكون في وسع المتعلم ‹‹ تسلم الحكم أو ممارسة حياة التأمل››[32].وهذا بعد اجتياز الامتحانات القاسية التي يمتحن فيها جل الطلبة و هذا بهدف اختيار نخبة معينة  لتعلم الفلسفة  بعد الاجتياز والنجاح ، هذا لأن أفلاطون  يؤكد على ضرورة أن الحكماء هم أخيار المجتمع .

ونجد أن أفلاطون قد بنى برنامجه التربوي على ركيزتين‹‹ هما بناء الجسم وتهذيب النفس ، فجعل التمرينات الرياضية  أساس لبناء الجسم و الموسيقى أساس لتهذيب النفس ، وأشار إلى أن للنفس وتران هما الشجاعة والفلسفة تكونان معا انسجاما  و توافقا و هذا تبعا للرياضة  و الموسيقى اللتين تؤثران على هذين الوترين››[33]. وقد عرفت  طبقة الحراس اهتماما بالغا من طرف  أفلاطون والتي خصها  بقوانين  ومبادئ هامة  وسامية  في التربية  حتى يكونوا أشدّاء أكفّاء‹‹و التربية تعني إعداده ( أيّ المواطن ) لوظيفة  واحدة فحسب تؤهّله لها قدراته وإمكاناته”[34].

كما أنه قد نوّه إلى أن الرفع من الفضيلة داخل المجتمع إنما يرجع إلى اعتبارات ثلاث حددها على النحو التالي ‹‹ أدناها و أحطها الجري وراء المال، و يليها الاهتمام بالجسد الذي يقع في مرحلة وسط ، أما أعلاها  فهو الاهتمام بالنفس››[35] .وهذا ما أدرجه ضمن أساسيات التربية  التي يخضع لها الحراس .

كما لم يهمل أفلاطون  في أرائه وأطروحاته المرأة  ودورها في المجتمع و أكد على المساواة  بينها و بين الرجل ونظر لهن  بوظائف كالتي تمنح للرجال ، لذلك عمد أفلاطون إلى ضرورة  وجود تربية جيدة منذ الطفولة  فقد كان ‹‹ يريد أن يربي الحراس بنين و بنات على لرجولة منذ الصغر على الشجاعة “[36].ونجد انه فسح المجال أمام المرأة في اقتحام كل أنواع مناصب العمل التي يمتهنها الرجال بما فيها المناصب الحربية لأنه ‹‹ كان يريد للفتاة أثناء التربية أن تتخلص من مشاعر الأنثى›› [37].  إضافة إلى هذا نجده يضيف ‹‹وتكون المرأة على قدم المساواة في التعليم، وتشاركه في حروبه ويكون المسكن والطعام مشاعا بينهم›› [38].   فبعد أن كان للمرأة دور تدبير المنزل والقيام بأدوار ثانوية داخل المجتمع ، منحها أفلاطون أدوار ذات أهمية ما جعلها ذات دور فعال في بناء الأسرة فالمجتمع ، فالدولة  في شكلها المثالي .

رابعا : أرسطو:

بالإضافة  إلى الآراء الأخلاقية  السقراطية والأفلاطونية كان لأرسطو ما يقوله عن الأخلاق والفضيلة  فعمل على ربط الفضيلة بالواقع المعاش للأفراد . ‹‹إن الحياة الفاضلة في نظره لا تكون إلا حيث في صميم الحياة الواقعية، راسما لنفسه غاية  محددة  يتطلع  عليها واضعا أحسن الوسائل لتحقيقها›› [39].  لذا نجده يحرص على الأخلاق لأن الغرض منها في نظره‹‹هو مجال الممارسة البشرية والسلوك الذي يستند إلى حرية الاختيار”[40]

يقول أرسطو في الأخلاق الى نيقوماخوس: ‹‹إذا اعتبرنا أن العمل المميّز الذي على الإنسان القيام به هو أن يمارس الحياة بشكل معين ، وأن يحدد عبر ذلك انفعال النفس و الممارسات المستندة إلى العقل (…) فإن الخير بالنسبة للإنسان هو أن يعمل بموجب قوى العقل و على أساس ما يتميز به العقل من قدرات›› [41]. ويبيّن من خلال هذا أن الإنسان  ومن خلال ملكة العقل يستطيع أن يميّز بين الخير والشرّ  ،و على هذا يجب أن يمركز اهتمامه في البحث عن الفضيلة ذلك أن ‹‹ السلوك الخلقي لا يكون تابعا  للتفكر بل يحصل عبر الممارسة من خلال التمرس والعادة والتعلم”[42].

كما أشار أرسطو إلى قواعد من شأنها  أن تحدث الفضيلة داخل المجتمع‹‹ وهي أولا : الطبيعة  بمفهومها العام ، و ثانيا  : التعليم الذي يربطه بالتربية  حتى يكون تعليما نافعا ، و ثالثا  العادة  فكلما  كانت هناك عادة الفضيلة بالتربية  أجدي التعليم و سهل الأخذ به و في نظره  أن التربية و التعليم هي من مهام  الدولة .لذلك خص أرسطو التربية اهتماما  بالغا  ودعا إلى ضرورة اهتمام الحكام بها فيقول يجب أن تكون  في الدولة  قوانين تنظم تربية النشئ و سيرتهم بل البالغين أيضا طول حياتهم”[43]

ويعرّفها أرسطو فيقول ‹‹ هي الوسطية بين حدين كلاهما رذيلة›› [44].   لذا نجده يدعو إلى عدم الإفراط والتفريط في الفضائل من خلال المقولة التالية ‹‹ الإفراط  بالأكثرخطيئة ، والإفراط بالأقل هو كذلك مذموم  والوسط وحده هو الحقيق بالثناء”[45]

وهذا ما يعكس  ما جاء في إحدى المقولات ‹‹ لا شيء أكثر من اللازم ،أطرد كل زيادة عن الحد››[46] . إذن، إن الفضيلة حسب أرسطو تعتمد على التعود والممارسة الدائمة ‹‹فالفضيلة تتعلم كما يتعلم أي فن بإتيان أفعال مطابقة لكمال ذلك الفن”[47]. كما اهتم أرسطو بالأسرة أين سن بعض الأفكار والآراء فنجد أرسطو يضع ‹‹الرجل على رأس الأسرة و إليه ترجع كل أعمالها›› [48].وذلك لأن المرأة في نظره ‹‹ أقل عقلا وأقل استعداد (…) ويرى أن وظيفة المرأة يجب أن تكون مقصورة على العناية بتربية الأولاد والشؤون المنزلية تحت سيطرة الرجل وتوجيهه”[49]،ونلاحظ أنه خالف أفلاطون في هذه النقطة أين نجد هذا الأخير منح للمرأة أدوار حربية و إضافة إلى أدوارها المنزلية. ومن ضمن احتياجات الأسرة نجد المال أو الثروة كما أشار أرسطو ، و رأى أن تحصيلها يكون‹‹ على نحوين الأول طبيعي ، و يشمل الزراعة و تربية الحيوانات و الصيد ، أما النحو الثاني هو الصناعي أي المبادلة و يشمل التجارة  البحرية والبرية”[50].كما أشار إلى نوعين  من تكوين هذه الثروة ‹‹الأول هو الاقتصاد وهو الثراء الذي يحصل كنتيجة عن العمل الدائم و المستمر لرب الأسرة  أما الثاني فهو فن تداول المال أو خريماتيكا  وهو الناتج عن الربا و التجارة و هو في نظره  خطير و غير صالح  نظرا للأضرار التي يسببها للمجتمع››  [51]. كما أشار أيضا إلى دور العبيد في المجتمع عامة والأسرة خاصة فيرى أرسطو أن ‹‹العبودية أمر مكروه إلا أنه لا مفر منه ، في تدبير شؤون المجتمع الاقتصادية  (…) مع أنه يقر أن الطبيعة التي تميز بين الأعلى والأدنى في كل ميدان›› [52].   وهذا مايفسّر وجود الأسياد والعبيد داخل المجتمع الواحد.

من اعداد : الأستاذة بورزاق يمينة/ جامعة مستغانم

المراجع والمصادر:

[1]أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية وتاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، (د.ط)، 1998، ص 126

[2]يوسف كرم ،تاريخ الفلسفة اليونانية ،مرجع سابق ص 59..

[3]افلاطون ،محاورة جورجياس ، تر:محمد حسن ظاظا ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ( د.ط )، 1980 ص 28.

[4]يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية ، مرجع سابق ،ص58.

[5]أفلاطون : محاورة بروتاغوراس ، تر:غرت قرني ، دار قباء للطباعة و النشر و التوزيع ، القاهرة ، د ط ، 2001 ص4.

[6]محمد فتحي عبد الله، علاء عبد المتعال،دراسات في الفلسفة اليونانية،دار الحضارة للطباعة والنشر،طنطا،(د.ط) ،(د،ت)،ص 142.

[7]عزت قرني، الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، جامعة الكويت، الكويت،(د.ط)، 1993 ص 106.

[8]المرجع نفسه، ص 135.

[9]مصطفى النشار تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، مرجع سابق,ص 136.

[10]أفلاطون، في الفضيلة، محاورة مينون، تر:عزت قرني،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ،القاهرة ،(د.ط) 2001، ص 73 .

[11]أنجلو شيكوني ، أفلاطون والفضيلة ،فصل أخير هو موضوع الفضيلة بين أفلاطون و الفارابي، تر: منير  سيغني، دار الجبل ، بيروت ، ط 1 ،1986، ص 25.

[12]المرجع نفسه،ص 26.

[13]مصطفى النشار، الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، مرجع سابق، ص 138

[14]يحي هويدي، قصة الفلسفة  الغربية ، دار الثقافة  للنشر  والتوزيع ، القاهرة، (د.ط)، 1993، ص 24 .

[15]المرجع نفسه، ص .25

[16]محمد فتحي عبد الله ، علاء عبد المتعال ، دراسات في الفلسفة اليونانية ،مرجع سابق،ص 142

[17]محمد مهران رشوان، تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة،(د.ط)،1998،ص60.

[18]عزت قرني، الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، مرجع سابق ، ص137.

[19]بيتر كونزمان، فرانر،بيتر بوكارد ،فرانز فندمان، أطلس الفلسفة ، تر:جورج كتورة ، المكتبة الشرقية ، بيروت ،ط1 ، 199، ص37.

[20]علي فهمي خشيم ، الفلسفة و السلطة و مقالات اخرى ، دار الكتب الوطنية ، بنغازي ، ط 1 ،1999، ص17.

[21]المرجع نفسه، ص 20.

[22]يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة اليونانية ، مرجع سابق ، ص 125.

[23]أنجلو شيكوني ، أفلاطون والفضيلة ، مرجع سابق ، ص38.

[24]المرجع نفسه ص 38.

[25]محمد عبد الستار نصار، دراسات في فلسفة الأخلاق،دار القلم، الكويت، ط 1، 1982، ص323.

[26]بيتر كونزمان ، فرانز بوكارد ، فرانز فيدمان ، أطلس الفلسفة ، مرجع سابق ،ص43.

[27]مصطفى النشار ، تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ، مرجع سابق،ص 259.

[28]المرجع نفسه ، ص261.

[29]مهدي فضل الله، بداية التفلسف الانساني، الفلسفة ظهرت في الشرق ،دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت،(د.ط) ، (د.ت) ،ص 11.

[30]محمد مهران رشوان ، تطور الفكر الاخلاقي في الفلسفة الغربية ، مرجع سابق ، ص ص67.66.

[31]بيتر كونزمان ، فرانز بيتر بوكارد ، فرانز فيدمان ، أطلس الفلسفة ، مرجع سابق،ص 45.

[32]المرجع نفسه، ص 45.

[33]المرجع نفسه ،ص 45..

[34]إمام عبد الفتاح إمام،أفلاطون والمرأة،مكتبة مدبولي،(د.ب)،(د.ط)،(د.ت)،ص63.

[35]إمام عبد الفتاح إمام ، أفلاطون والمرأة ، المرجع نفسه،ص 76..

[36]المرجع نفسه، ص 65.

[37]المرجع نفسه، ص62.

[38]المرجع نفسه ،ص 62

[39]عادل البكري ، الفلسفة لكل الناس ، دائرة الشؤون الثقافية والنشر ، بغداد ، (د.ط )، 1985،ص 35.

[40]محمد عبد الستار  نصار ، دراسة في فلسفة الأخلاق ، مرجع سابق ، ص 328.

[41]بيتر كونزمان ، فرانز بيتر بوكارد ، فرانز فيدمان ،أطلس الفلسفة ، مرجع سابق ، ص 45

[42]المرجع نفسه ، ص 45.

[43]المرجع نفسه، ص 45.

[44]يوسف كرم،تاريخ الفلسفة اليونانية،مرجع سابق،ص240.

[45]محمدعبد الستارنصار ، تاريخ الفلسفة اليونانية ، مرجع سابق، ص 240.

[46]المرجع نفسه، ص 328.

[47]المرجع نفسه، ص 329.

[48]يوسف كرم ، تاريخ الفلسفة اليونانية ، مرجع سابق ، ص 248.

[49]مصطفى النشار، تطور الفلسفة السياسية من صولول حتى ابن خلدون ، الدار المصرية  السعودية ، للطباعة والنشر و التوزيع ، القاهرة ، ( د. ط) 2005، ص 83.

[50]المرجع نفسه، ص 83.

[51]يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية،مرجع سابق،ص267.

[52]محمد الجبر، الفكر الفلسفي والأخلاقي عند اليونان، أرسطو نموذجا،دار دمشق،دمشق، ط 1، 1999 ، ص 118.

فئات قنديل