الوقف العلمي في الجزائر

الوقف العلمي في الجزائر

مر الوقف الجزائري بالعديد من المراحل: منها مرحلة الازدهار والنماء التي كانت في العهد العثماني، ومن ثم مرحلة الاستعمار الفرنسي وفي هذه الأخيرة شهدت الأوقاف تراجعا ملحوظا بسبب ما تعرضت له من نهب وسلب بغية إضعافها. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الجزائر المستقلة والتي شهدت العودة التاريخية للدور الذي تقوم به الأوقاف رغم ما واجهته من فراغ قانوني.وبالرغم من الظروف التي مرت بها إلى أنها اكتسبت أهمية كبيرة خاصة في مجال التعليم تجسدت في إنشاء المدارس التّعليميَّة ووقف الكتب والمكتبات والمخطوطات للجامعات الجزائريَّة المختلفة.

وبعد وقف المدارس التي تكفَّلت بتدريس أبناء الشَّعب الجزائري قواعد الدِّين ولغته والعلوم الأخرى في مستويات التّعليم الأولى، حاولت جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين إنشاء معهد للتّعليم الثَّانوي، يُعتبر امتداداً لجامعة الزّيتونة. وكان هذا المَعلَم حلماً للشَّيخ ابن باديس وقد حقَّقه له رفاقه بعد وفاته، وعلى رأسهم الشَّيخان محمّد البشير الإبراهيمي والعربي التبسّي وكان مقرّ هذا المعهد قد اشتري بتبرُّعات المحسنين وقفاً لله تعالى على العلم وأهله.

ولأنّ الكتب والمكتبات هي عماد البحث العلمي، فقد كان للجزائر الحظّ الوافر منه، إذ تُعتبر الجزائر في طليعة البُلدان التي تزخر بالكُتُب والمخطوطات، فقد كانت مُدُنُها مُزدهرةً بمُختلف الكُتُب تأليفاً ونسخاً وجَمعاً، يشهد لذلك الفرنسيُّون عند احتلالهم الجزائر، حيثُ إنَّهم كانوا مُندهشين من كثرة الكُتُب التي وجدوها في مختلف مكتبات الـمُدُن.  وكان وقف الكُتُب يتمّ بنفس الطَّريقة التي تتمّ بها الأوقاف الأخرى، فالواقف عادةً ينُصُّ على أنَّ الكتاب موقف في سبيل الله على طلبة الجامع أو الزَّاوية أو المدرسة التي يوجد فيها، كما ينُصُّ على منع إخراج الكُتُب من المؤسَّسة الموجودة.

وبالإضافة إلى ذلك قاموا ببناء المساجد والمراكز الثقافية لتدعيم التعليم بمختلف مستوياته، وكانت الأوقاف مصدر نمو المساجد والمدارس والكتاتيب معيشة العلماء والطلبة، ومصدر عيش الزوايا والأضرحة. فبناء المساجد كان نتيجة المبادرات الفردية التي كان يقوم بها الحكام من نشيد للمساجد وحبس الأوقاف لها من مالهم وأملاكهم الخاصة، وما هو إلا تعبير عن واجبهم الديني فكثرت المساجد التعليمية بحواضر الجزائر خلال العهد العثماني. حيث انفردت كل مدينة بجامعها الأعظم الذي يمثل معهد للتعليم، كالجامع العظيم في قسنطينة، جامع تلمسان، جامع بجاية والجامع الأعظم بمدينة الجزائر الذي يعد من أشهر مساجد الجزائر وأكثرها أوقافا إلا أن هذا لم يؤهله ليصبح جامعة كالأزهر والزيتونة والقرويين.

ومن حواضر الغرب الجزائري وجود مساجد متعددة حيث بلغ عددها بتلمسان 60 مسجدا، بمعسكر المساجد الثلاثة الرئيسية مسجد السوق والمسجد العتيق والمسجد محمد الكبير الذي شيد المسجد الكبير المعروف باسمه، الذي يعتبر من أروع وأهم مساجد الايالة.

أما مدينة الجزائر وجدت بها الزوايا منها ستة زوايا مخصصة لإقامة الطلبة هذا ما ساعد على انتشار العلم والمعرفة في أوساط البلاد فعملت على تحفيظ القرآن الكريم ونشر التعليم والإسلام في المناطق النائية كما فعلت التيجانية والسنوسية، إلى جانب هذا ساهمت في إزالة الفوارق الاجتماعية بين الفئات المختلفة وإنهاء الخصومات والخلافات بينها وذلك بفضل مركز شيوخها ومقدميها ووكلائها، فلعبت دور الحكم وقللت من المشاكل.

كما تعتبر أموال الحبس والاوقاف الإسلامية التي يوقفها الأشخاص، الهيئات الخيرية، الجماعات، بعض الولاة والامراء أحد المصادر المالية لتموين المعمرات التي كانت تنتشر في أرياف الجزائر وهي عبارة عن معاهد دينية لتعليم القرآن والعلوم عموما ويقوم بتسيير المعمرات تسيير ذاتيا وكانت لها قوانين داخلية محكمة فهي تشبه أحيانا الكتاتيب القرآنية وأحيانا تشبه الزوايا الغير خلواتية، وقد ساهمت في تعليم القران و تحفيظه ونشره وتعميمه واحتضنت طلبة العلم والفقراء وآوت المساكين وقدمت لهم العون والمساعدات المجانية، انتشرت بمنطقة القبائل خصوصا شاركت في نشر العلم و الثقافة وأخذت الحبوس على عاتقها التكفل بالمدارس التي عرفت انتشارا واسعا خلال العهد العثماني حيث لا يكاد يخلو حي من أحياء المدن من هذه المدارس، الأمر الذي أذهل كل من زار الجزائر خلال العهد العثماني من كثرة مدارسها وقلة الامية بين سكانها، وكان تعيين المدرسيين من طرف الداي وباقتراح من مدير الأوقاف وأغلبهم يجمعون بين التدريس والافتاء والقضاء، وقد حضي العلماء باحترام الحكام الذين راحوا يوقفون الأوقاف لصالح العلم ومؤسساته، فالعلوم الابتدائية من حفظ القرآن والكتابة و مبتدئ الحساب التي تدرس في نحو ثلاثة ألاف كتاب، الأمر الذي شجع على بروز بعض العلماء في الجزائر في علوم عصرهم منهم أبوراس الناصري الذي ناظر علماء المشرق والمغرب ولقب “شيخ الإسلام ”

كما تولى العديد منهم أعلى المناصب بالأزهر والقاهرة كالتدريس وحتى الإفتاء، فمثلا الشيخ محمد بن حسين الجزائري (1187/1773 م) منح نيابة التدريس

وبفضل إيراد أموال الأوقاف قد تولت المؤسسات الدينية الانفاق على الطلبة وحفاظ القرآن الكريم والقائمين على خدمتها من الوكلاء والمقدمين وإطعام الفقراء والمساكين وأبناء السبيل بفصل مردود الأوقاف لم يرى حكام الجزائر ضرورة لرعاية المؤسسات الثقافية والدينية من مال الخزينة، لان مردودها كان الممول الوحيد لتسيير بعض المصالح التعليمية والخدمات الثقافية وأماكن العبادة، ومنح الطلاب والمدرسين ورواتب القائمين على شؤون العبادة بالمساجد والزوايا ويشمل ذلك مختلف الموظفين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فئات قنديل